بعدما تمنى هباش من الجني أن يهبه حاسوباً حصل الآتي..
ضحك عطية بصوت فج وغليظ.. ليس من طلب هباش ولكن من طريقته التي حوت على اسمى معاني الذل والإنكسار!!.. وقال عطية:كنت اتوقع ذلك منك.. بحكم أنك تحب العلم والإطلاع على المعرفة بالرغم من الظروف الحالكة.. فحضرته لك مسبقاً تحت وسادتك..ظن هباش أن عطية يكذب وبدأ يتذمر..ولكن عطية أخذ يلح عليه أن يذهب لسريره ويرفع وسادته..
ذهب هباش وعندما رأى وضع الوسادة طبيعي دون أن يتغير حجمها شعر باليأس ولكن عطية لكزه بقوة وأمره أن يرفع الوسادة وفعل..وبمجرد نزع الوسادة … انتفش جهاز كمبيوتر كبير بحجم هباش..
صاح هباش مندهشاً ولكن لم يسبق لي أن رأيت مثل هذا الكمبيوتر من قبل!!قال عطية:وش ذا البلشة؟ في الحقيقة ياصاحبي هذا مخصص لك عندما يعجبك شئ في احدى المواقع الألكترونية تستطيع أن تدخل فيه وتتجول براحتك يتسع لك ولعيالك..فهم هباش المغزى وتهللت اساريره وقام بشكر عطية وتقبيله..وعانقه وقت رحيله..ومرة اخرى صاح هباش..لكن ياصاحبي عطية لا أعرف استخدم الجهاز فعلمني مما علمك الله!!..قال عطية: سحقاً..نمشيها هالمرة..
تعلم هباش أصول الحاسب الآلي وعطية مرابط معاه لمدة شهرين..انتعشت فيها عقلية هباش البليدة من جديد ودخل إلى عالم فسيح ملئ بالمغامرات والعلوم والفوائد…ورحل عطية تاركاً هباش بسلام..وصديقنا هباش اصبح من رواد الشبكة العنكبوتية وفرائسها..بعدما كان لايعرف عن العنكبوت سوى عشها الذي ترقعه في أرجاء شقته..
هباش يحمل شخصية ساذجة ومغفلة ومن حاله في شانه !!
وفي ليلة من الليالي وبينما هباش يتصفح موقع حكومي يظهر صندوق مكتوب عليه ..أنقر على الصندوق يامغفل..
قام هباش بالنقر على الصندوق..وظهر له العبارة التالية..
إذاتسمرت عند شاشتك لمدة أربعين يوم متواصلة..فسوف ترافقنا إلى مدينة الأبواب العجيبة!!العرض مغري جداً… والتكاليف مدفوعة مسبقاً من قبلنا!!
آه بدأ هباش يؤمن بفكرة الحظ ويعتقد أنه انسان محظوظ..و البركات تتوافد إليه..من جديد.
عقد العزيمة على تنفيذ المطلوب..وظل متسمراً عند الشاشة لمدة أربعين يوم..بدأت تلوح علية أطياف الأحلام..لابد أن مدينة الأبواب في نيوزلندا!!. فكما علم الجني بسرقتي!! ..فلابد أن يعلم صاحب العرض بالمدينة التي أحبها..بدأ ظلام الليل يخيم على المكان وتحل الليلة الأربعينية وهباش لازال متسمراً عند الشاشة بين الرجاء والخيبة..
فجأة..أختفى هباش..ماذا حصل؟
لقد ابتلعته شاشة الكمبيوتر…وأصبح اخيراً من أبطال الدجيتال..بالخطأ وجهت الموجات هباش نحو دورة مياة محلية فاسقط في يده..وشعر بإغماءة شديدة غير أنه في تلك اللحظة ينحرف مساره بدرجة مائة وثمانين..ليهبط في منطقة فضاء واسعة صحراوية خالية من كل شئ و تحيط بها أبواب عتيقه وليس هناك أي ثغرة مفتوحه …احتار هباش أي الأبواب سيخرج منها…فبعدما كان مغفلاً اكتسب برمجة أخرى لايعرف كنهها..فهي عميقة جداً وغير قابلة لتصنيف الأشخاص أو الإزدواجية أو الإنحلالية..
إذن لابد لهباش أن يقوم بإكتشاف الأبواب بنفسه علماً آنه اصبح لديه قرون استشعار تتعرف على التيار وتتجنبه..
ذهب هباش ليستطلع الباب الاول..فتح الباب وكان به مخلوق مؤدلج..عاد ليقفله..
فتح الباب الثاني ليلتق به مخلوق ليبرالي..ايضاً عاد ليغلقه
فتح الباب الثالث وجد به مخلوق شيعي…اغلقه..
فتح الباب الرابع ليلتقي بمخلوق من الفئة الضالة..أغلق الباب سريعاً!
فتح الباب الخامس وكان به مخلوق وزاري..نظر إليه وحاول أن يتملق لكنه هنق…لإن البرمجة خانته..
فتح الباب السادس..وجد مهرج ضخم قد سد الباب وكان عالقاً ولايستطيع الحركة أو الفرار..(المهرج كناية عن الفساد بشكل عام كل ما حاولنا إثارته إنتشر)
خيل له لوقام بدغدغته فقد يضحك المهرج وينعتق من الباب..ليستطيع بدوره الفرار..ولكن حين تنفيذ خطته ..انتفش المهرج اكثر من فعل الدغدغة وعلق بالباب اكثر..حيث لافرار..
توجه للباب السابع..وقام بفتحه ليظهر له مارد غليظ..غير صاحبه وتوعد أنه لوحاول الفرار من عنده فقد يتلبسه…وعلى الفور اغلق الباب..
جلس هباش القرفصاء وحيداً في ظلمة الليل..وحفيف الصحراء…طاوياً ذاوياً.. يفكر كيف أتى ولماذا اصبح هنا؟.و كيف يخرج من هذا المأزق الحرج؟
هاجت به الذكريات ..يتحسر أيام فقره وحياته الشبيهة بحياة المعدومين…فهو لاأم ولاأب ولاأخوة ولازوج ولامال ولاعمل يرضي طموحة وصديقه…آه صديقه الذي ضحى من أجله ..هجره فلم يعد يسأل عنه منذ دخوله السجن ومدة بقائه فيه سنتين تحطم فيها شعوره وطموحه..
أخذ يقهقه ويضحك على نفسه وشعر بالخجل منها…كيف له أن يعتقد أن الجني واسطة مشروعة تدخله في عالم الملايين وتسخر له صنوف السعادة والجلال من دون جهد ونصب..
هباش فطرته سليمه وحياته بسيطة لايعرف الكذب ولا الخداع..ولكن تحده الظروف السيئة على أن يتخذ واسطة غير مشروعة،كمايفعل كثيرون في بلاده…يفعل الخير ويحب وطنه ..وكان كلما همت نفسه بالرحيل ..عاد ليلجمها بالصبر والتلذذ بحب الوطن…وأين الوطن؟
يسأل هباش نفسه…الوطن هل هي ذات الكلمة التي قلتها يوماً وأنا على أعتاب الجامعة؟
ألم يكوناوالدي أجمل وطن بحياتي؟هل هذا السبب الذي جعلني لاأشعر بالوطن؟
أم هل السجن أصبح وطناً يضم اسمي وملفاتي وعذابي وانكساري؟
هل الوطن مجموعة أهازيج تنبعث من أبواق المجرمين كي يقنعونا أننا بخير وأن لنا وطن؟
ما هو الوطن؟
سكنت روح هباش بعد هياجها…وبدأ يتفحص نفسه يتلمسها أينها من هذا العالم الغريب؟..ماهويتي وقد تقاذفتني التيارات والأطياف كلها تدعي السلم والمقاومة بينما تشن الحروب الطائفية والظغائن والإنقسام الفكري..
آه…بدأ هباش يستوعب حجم الضياع الذي كان يتخبط فيه…نفسه المنهارة أمام المتعالين على القيم والمبادئ ..حياته المتباينة مابين غلاء المعيشة وفقر مدقع..الفساد بشتى أصنافه..شراء الذمم بالمال…القداسة لمن لايستحقها سوى الله…بدأ يتلمس هباش لماذا قدر له أن يعيش فقيراً مسكيناً واصبح في يوم وليلة يتيماً وحيداً..
ربما يتعلم من نفسه أنه ليس ككل إنسان آثر الصمت والخذلان…وأراد أن يشعل في ذاته الفكرة التي لايمكن أن تزول أو تضمحل بزوال السنين والأيام..أن الإنسان لم يخلق إلا لإن يكون إنسان..يعبد الله ويمتلك الحرية..له حقوق وعليه حقوق…ولن تستكين نفس كل إنسان إلا بها..ولن تستقيم الدنيا مادام أن مسألة الحقوق المشروعة هي آخر شئ قد يفكر فيه أي إنسان قد يسلبها من أخيه الإنسان بدون حق!!
ينظر هباش من جديد..ينظر للأبواب وعليها تيارات تشرع نفسها دون حد أدنى إعتبار لأي شخص قد يكون كهباش لاينتمي لتيار..ولايحجر على الأفكار بل أنه حتى وثق بصديقه السارق الفقير..كي يحميه من نفسه ويحثه علي الصلاح وهو حر طليق ذلك الصديق الذي كان يتحجج أن الأغنياء لايعطونا من زكاتهم نحن الجوعى لذلك وجب علينا أن نأخذ حقوقنا بأيدينا..كذلك لكل طبقة ثقافة ..مثلما كانت ثقافة الأغنياء أن الفقراء سخرة لهم وعبيداً..فأن الفقراء يعتبرون أنفسهم أهل الله وأحق بالحقوق من غيرهم….
هذه التيارات تتحكم وتصدر وتورد دون أن توحد فكرة الوطن في أشمل معانيه .. ودون أن تمتزج المصالح وتنكمش الفتن ويرتقي الحاكم والمواطن للنهوض بهذا الوطن..
أصبح هباش بعد ولوج العالم الإفتراضي الذي يجمع بين جميع الأطياف والمستويات والأجناس والعقائد كل تلك العوالم تسبح في شرائح معدنية…حيث يلين الحديد بفعل الإنسان وصديقنا الإنسان في العالم الآخر لازال يطوق نفسه بالحديد وقلبه وعقله من حديد صدأ..
البرمجة الجديدة لهباش إفتراضية لاتقبل التصنيف ولن يتسنى له الخروج من مدينة الأبواب إلا في حال أن استخدم عقله في التخلص من هذا الوكر العفن…والمهرج قد خيب ظنه والجني يتوعده ..
برأيكم كيف يخرج هباش من مدينة الابواب ومن احدها دونما ضرر او شائبة؟
ذلك لغز عليكم أن تحلوه…وللحديث بقية:)